أبو نصر الفارابي
25
كتاب السياسة المدنية
المحسوسات بالحواس الخمس المعروفة عند الجميع ، وتدرك الملذ والمؤذي ، ولا تميز الضار والنافع ولا الجميل والقبيح « 1 » . وأما الحيوان غير الناطق فبعضه يوجد له القوى الثلاث الباقية دون الناطقة . والقوة المتخيّلة فيه تقوم مقام القوة الناطقة في الحيوان الناطق . وبعضه يوجد له القوة الحساسة والقوة النزوعية فقط . وأما أنفس الأجسام السماوية فهي مباينة لهذه الأنفس في النوع ، مفردة عنها في جواهرها ، وبهذا تتجوهر الأجسام السماويّة ، وعنها تتحرك دورا . وهي أشرف وأكمل وأفضل وجودا من أنفس أنواع الحيوان التي لدينا . وذلك أنها لم تكن بالقوة أصلا ، ولا في وقت من الأوقات ، بل هي بالفعل دائما ، من قبل أن معقولاتها لم تزل حاصلة فيها منذ أوّل الأمر ، وأنها تعقل ما تعقله دائما . وأما أنفسنا نحن فإنها تكون أولا بالقوة ثمّ تصير بالفعل . وذلك أنها تكون أولا هيئات قابلة معدّة لأن تعقل المعقولات ، ثم من بعد ذلك تحصل لها المعقولات وتصير حينئذ بالفعل . وليس في الأجسام السماوية من الأنفس ، لا الحساسة ولا المتخيلة ، بل إنما لها النفس التي تعقل فقط ، وهي مجانسة في ذلك
--> ( 1 ) ترجح الفارابي بين أفلاطون وأرسطو في مسألة النفس . فهو هنا يقول كأفلاطون بوجود عدة نفوس للإنسان ولكن عددها أربع لا ثلاث . أما في كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة فيقول بنفس واحدة كأرسطو ذات قوى خمس هي الغاذية والحاسة والمتخيلة والنزوعية والناطقة . ولم يذكر هنا الغاذية في عدادها .